الخطبة
الأولى
أما بعد:
فيا
أيها الناس، اتقوا الله فإن
تقواه أفضل مكسب وطاعته أعلى
نسب، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا
تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ
مُسْلِمُونَ [آل
عمران:102].
أيها المسلمون،
تتفاوت البلدان والأوطان شرفًا
ومكانة، وعلوًا وحرمةً ومجدًا
وتأريخًا، وتأتي بلاد الحرمين
الشريفين وراعية المسجدين
العظيمين وخادمة المدينتين
المقدستين، في المكان الأعلى
والموطن الأسمى، مهبط الوحي
وموئل العقيدة ومأرز الإيمان
وحرم الإسلام، ومحط أنظار
المسلمين في جميع الأمصار
والأقطار، ومهوى أفئدة الحجاج
والزوار والعُمَّار، فيها
الكعبة المعظمة، وفيها مسجد
رسول الله وبه الروضة
المطهرة. بلادٌ في ظلال الشرع
وادعة، وفي رياض الأمن راكعة،
ولأطراف المجد جامعة، وإن
بلادًا تعلن الإسلام منهجًا
والقرآن دستورًا والشريعة
حاكمًا ستظل في إطار الشرف
والفخار والإجلال والإكبار.
بلدًا آمنًا مطمئنًا ساكنًا
مستقرًا، متلاحمًا متراحمًا،
وإن رغمت أنوفٍ من أناس فقل: يا
رب لا ترغم سواها.
أيها
المسلمون، الأمن بالدين يبقى،
والدين بالأمن يقوى، ومن رام
هدىً في غير الإسلام ضَلَّ، ومن
رام إصلاح بغير الإسلام زَلَّ،
ومن رام عزًا في غير الإسلام
ذَلََّّ، ومن أراد أمنًا بغير
الإسلام ضاع أمنه واختل، نحن
قومًا أعزنا الله بالإسلام
فمهما ابتغينا العزة في غيره
أذلنا الله. يقول جل في علاه:
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ
يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ
بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ
الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ
[الأنعام:82]. وإن هذه البلاد
المباركة ستبقى بحول الله
تعالى ثم بعزمات رجالها،
وإيمان أهلها، وصدق ولاتها،
ونصح علمائها، حامية لمعاقل
الدين من التغير، حافظة لموارد
الشريعة من التكذيب، لا تساوم
على حساب دينها، ولا تصانع على
مقتضيات عقيدتها، ولا تداهن
على موجبات إيمانها، وبذلك
أضحت درة المدائن ودرات
المحاسن وأرض الميامن، بلد
العطاء والنماء والوفاء
والإسلام والسلام، امتدت يد
الخير منها إلى كل منكوب، وسرت
يد العطاء منها إلى كل مكروب،
فحماكِ الله ـ يا بلاد الحرمين
ـ عزيزة بعز الإسلام، منيعة
محفوظة مصونة بحفظ
الدين.
أيها المسلمون،
بالإمامة والسلطان تحفظ البيضة
وتصان الحوزة، وتكون بها
ظافرين بما تطيب به حياة الدنيا
والدين، والسمع والطاعة لإمام
المسلمين فريضة، وطاعته في غير
معصية من طاعة الله عز وجل،
يقول جل في علاه: يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا
اللَّهَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ وَأُوْلِي
الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]،
وعن عبد الله بن عمر رضي الله
عنهما، قال: قال رسول الله :
((الطاعة على المرء المسلم فيما
أحب وكره ما لم يُؤمر بمعصية،
فإذا أُومر بمعصية فلا سمع ولا
طاعة)) متفق عليه[1]. وعنه رضي
الله عنه، قال: سمعت رسول
الله يقول: ((من خلع يدا من
طاعة لقي الله يوم القيامة لا
حجة له، ومن مات وليس في عنقه
بيعة مات ميتة جاهلية)) أخرجه
مسلم[2]. وها هي أيدينا تمتد إلى
ولاة أمرنا مجددين البيعة على
السمع والطاعة، والولاء
والوفاء على كتاب الله وسنة
رسوله ، صدقًا من قلوبنا،
وإخلاصًا من نفوسنا في العسر
واليسر والمنشط والمكره.
أيها
المسلمون، الجماعة مَنَعَةُ
والفرقة مهيعة، الجماعة لُبُّ
الصواب والفرقة أُسُّ الخراب،
الفرقة باذرة العِثَار وباعثة
النِفَار، تُحيل العَمَارَ
خرابًا والأمن سرابًا، وهي
العاقرة والحالقة، ومن قواعد
الشرع المعتبرة وأصوله المقررة
وأسسه المحررة، أنه لا دين إلا
بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة،
ولا إمامة إلا بسمع وطاعة.
فاحذروا سَلَّ الأيدي عن
رِبَقَةِ الطاعة ومفارقة
الجماعة، وأصيغوا السمع أيها
الجمع؛ لقول رسول الهدى : ((من
فارق الجماعة شبرًا فمات مات
ميتة جاهلية)) أخرجه البخاري[3].
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه،
قال: قال رسول الهدى : ((ثلاثة لا
يَغِلُّ عليهن قَلْبُ امْرِئٍ
مؤمن: إخلاص العمل لله،
والنصيحة لولاة المسلمين،
ولزوم جماعتهم)) أخرجه أحمد
والترمذي وابن ماجه[4]. ومعنى
((لا يغل عليهن)) أي: من لزمهن
انتفى عن قلبه الغِلُّ
والغش.
أيها المسلمون، لم
يمشي ماشّْ شرٌ من وَاشّْ، ورأس
الأشرار كل محرّش شنار، ونصيحة
الأئمة واجبة على اليقين،
والإنكار عليهم فيما يخالف
الشرع حَتَمُ من الدين، ولكن
بالحكمة والموعظة الحسنة
واللين، فعن عياض بن غَنْم رضي
الله عنه، قال: قال رسول الله :
((من أراد أن ينصح السلطان بأمر
فلا يُبْدِ له علانية، ولكن
ليأخذ بيده فيخلوا به، فإن
قَبِلَ منه فذاك، وإلا كان قد
أَدَّى الذي عليه له)) أخرجه
أحمد وابن أبي عاصم وله شواهد[5].
ولا يجوز الخروج على ولاة أمر
المسلمين، ولا قتالهم ولا
منابذتهم ولا إظهار الشناعة
عليهم، ولا تحريك القلوب
بالسوء والفتنة ضدهم، ولا
إشاعة أراجيف الأخبار عنهم،
ومن فعل ذلك فهو مبتدع على غير
السنَّة وطريقة السلف، يقول
سهل بن عبد الله التستري رحمه
الله تعالى: "لا يزال الناس بخير
ما عظموا السلطان والعلماء،
فإن عظموا هذين أصلح الله
دنياهم وأخراهم، وإن استخفوا
بهذين أفسدوا دنياهم وأخراهم".
فاعرفوا لولاتكم وعلمائكم
قدرهم وحقهم ترشدوا وتسعدوا.
ويدعى لولاة المسلمين
بالصلاح والمعافاة والتوفيق
والسداد، يقول الفضيل بن عياض
رحمه الله تعالى: "لو أن لي دعوة
مستجابة لجعلتها للإمام؛ لأن
به صلاح الرعية، فإذا صلح أمنت
البلاد والعباد".
أيها
المسلمون، الثبات، الثبات في
زمن الزوابع والمتغيرات والفتن
والتقلبات، فلا رسوخ لقدم ولا
بقاء لمجد ولا دوام لعِزِّ، إلا
بالتمسك الصادق بكتاب الله
وسنة رسوله ؛ لأنهما الميزان
الحق والمقياس الصدق على طريق
الخطأ والصواب، وليس غير
الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة
حصنًا من المخاطر وحرزًا من
المآسر، وجلاءً عند الشبهة
وموردًا عند اللهفة، وأنسًا
عند الوحشة وضياءً عند الظلمة،
فعن أبي هريرة رضي الله عنه،
قال: قال رسول الله : ((إني قد
تركت فيكم شيئين لن تضلوا
بعدهما: كتاب الله وسنتي)) أخرجه
الحاكم[6].
بارك الله لي ولكم
في القرآن والسنَّة، ونفعني
وإياكم بما فيهما من البينات
والحكمة. أقول ما تسمعون
وأستغفر الله لي ولكم ولسائر
المسلمين من كل ذنب وخطيئة.
فاستغفروه إنه هو الغفور
الرحيم.
--------------------------------------
-----------------------
[1] صحيح البخاري كتاب الأحكام، باب: السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية(7144)، وصحيح مسلم كتاب الإمارة (1839).
[2] صحيح مسلم كتاب الإمارة (1851).
[3] صحيح البخاري كتاب الفتن (7054)، وأخرجه أيضا مسلم في الإمارة (1849). من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
[4] سنن الترمذي كتاب:العلم، باب: ما جاء في الحث على تبليغ السماع (2658)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، ومسند أحمد (4/80، 82)، وسنن ابن ماجه كتاب المناسك، باب: الخطبة يوم النحر (3056) عن جبير من مطعم رضي الله عنه، وأخرجه أيضا الدارمي في العلم (1/74-75)، وأبو يعلى (7413)، والطبراني في الكبير (2/126-127)، والحاكم (1/87). قال البوصيري في الزوائد: "هذا إسناد فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس، وقد رواه بالعنعنة، والمتن على حاله صحيح".وله شاهد من حديث زيد بن ثابت، ومن حديث أنس بن مالك، وأورده الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (2480).
[5] مسند أحمد (3/403)، وابن أبي عاصم في السنة (1096)، وصحح إسناده الألباني في السنة لابن أبي عاصم.
[6] مستدرك الحاكم (1/93)، أخرجه أيضا مالك في الموطأ: "كتاب الجامع، باب: النهي عن القول بالقدر (1661) بلاغاً، والدارقطني (4/245)، والبيهقي (10/114)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال ابن عبد البر رحمه الله في التمهيد (24/331): "وهذا أيضاً محفوظ عن النبي عند أهل العلم شهرة يكاد يستغني بها عن الإسناد". ثم ذكر له شواهد. وصححه ابن حزم في الإحكام (6/243)، وحسنه الألباني إسناد الحاكم في مشكاة المصابيح (186) والصحيحة (4/361).
الخطبة
الثانية
أما
بعد:
فيا أيها المسلمون،
اتقوا الله وراقبوه وأطيعوه
ولا تعصوه، يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ
الصَّادِقِينَ
[التوبة:119].
أيها المسلمون،
إننا نعيش في قوة وصحة وأمن
توجب الشكر لله بالمنَّ، وإن من
حق الله علينا وحق أجيالنا
وأوطاننا أن نكون أوفياء
للإسلام، أمناء على الإسلام،
فلن تصان حمى الأوطان بمثل طاعة
الرحمن، فتستديم بالطاعة النعم
برغيد عيشها وطيب أمنها ونفيس
زينتها، وكفوا عن المعاصي
المهلكة والذنوب الموبقة،
وتوبوا توبة صادقة تدفع عنكم
النقم، وتحرص عليكم النعم،
ويدم عِزُّكم بين الأمم.
أيها
المسلمون، إن ثمرة الاستماع
الاتباع، فكونوا من الذين
يستمعون القول فيتبعون
أحسنه.
واعلموا أن الله أمركم
بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى
بملائكته المسبحة بقدسه، وأيه
بكم أيها المؤمنون من جنه
وإنسه، فقال قولاً كريمًا:
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ
يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ
وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
[الأحزاب:56]. اللهم صَلِّ وسلم
على النبي المصطفى المختار،
اللهم صَلِّ عليه ما تعاقب
الليل والنهار...



